عبد الملك الجويني

36

نهاية المطلب في دراية المذهب

واعتمد الشافعي في باب الأذان حديثَ أبي محذورة ، قال عبد الله بنُ مُحَيْريز : كنت في حجر أبي محذورة ، فلما أردت الخروج إِلى الشام قلت : إِني خارج إِلى الشام ، وإِني أخشى أن أُسأل عن تأذينك ، فأخبرني به ، فقال : نعم ! كنت عاشر عشرة ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، ونزل منزلاً ، فأذن بلال ، فجعلْنا نصرخ عليه ونستهزىء به ، فبعث إلينا رسول الله ، حتى وقَفْنا بين يديه ، فقال : أيكم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع ، فأشاروا إليَّ ، وصدقوا ، فأرسل كلَّهم وحبسني ، ثم قال : قل الله أكبر - ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ولا مما يأمرني به - وسَرَدَ الأذان ، ونصَّ على الترجيع بالأمر بالشهادتين سراً ، ثم قال : ارجع ومُدَّ من صوتك ، وقل أشهد أن لا إله إِلا الله ، ثم ذكر هكذا إِلى آخر الأذان ، ثم أدناني فمسح يده على ناصيتي ووجهي ، فما بلغت يده صدري حتى عادت تلك الكراهية كلها محبّةً ، ثم ألقى إِليَّ صُرةً فيها دُريهمات ، فقلت : يا رسول الله اجعلني مؤذن مَكة ، فبعثني إِلى عتّاب بن أَسيد ، فكنت أؤذن عنده ( 1 ) . فهذا هو الأصل في الأذان . 678 - ثم الذي نرى تقديمه القول في أن الأذان من السنن ، أم من فروض الكفايات ؟ وقد ذكرَ بعض المصنفين في المذهب : أنّ الأصحّ الذي ، ذهب إِليْه جمهور الأئمة أن الأذَان من فروض الكفايات ، على ما نفصله في التفريع ، وقال : ذهب أبو سعيد الإصطخري إِلى أن الأذان سُنة ، فحكي هذا حكاية الشَّوَاذِّ والنوادِر . وقال الصيدلاني : الأذان عندنا مستحب ، ولم يحك عن أصحابنا إِلا هَذا ، قال : وذهب بعض أهل العلم إِلى أنه فرض على الكفاية .

--> ( 1 ) حديث أبي محذورة ، رواه مسلم من غير تربيع ( الله أكبر ) وبدون ذكر القصة ، وساقه بتربيع التكبير في أوله ، الشافعي ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان ، وقال ابن القطان : الصحيح في هذا تربيع التكبير . ( ر . مسلم : كتاب الصلاة ، باب صفة الأذان ، ح 379 ، وأبو داود : الصلاة ، باب كيف الأذان ، ح 502 ، والنسائي : الأذان ، باب كيف الأذان ، ح 631 ، 632 ، وصحيح سنن النسائي 1 / 135 ح 613 ، 614 ، وابن ماجة : الأذان ، باب الترجيع في الأذان ، ح 708 ، 709 ، وصحيح ابن خزيمة : ح 379 ، والتلخيص : 1 / 196 ) .